خلافات زوجية تتحول إلى مأساة.. مقتل زوجة على يد زوجها بـ41 طعنة
خلافات زوجية تتحول إلى مأساة.. مقتل زوجة على يد زوجها بـ41 طعنة

في الساعات الأولى من صباح الجمعة لم يكن هناك شيء يوحي بأن حيّ البهي في مدينة المحلة الكبرى على موعد مع واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخه القريب، سكون الصباح كان يلفّ الأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة تغطّ في نوم عميق قبل أن يشقّ الصمت صراخ أطفالٍ مرتجف، صراخ لم يكن عاديًا بل كان استغاثة خرجت من قلب بيتٍ يتحول في لحظات إلى مسرح لمأساة دامية.
الضحية السيدة فاطمة (ع. ر) في العقد الخامس من عمرها أم لثلاثة أبناء 14 عاما و9 سنوات و5 سنوات ما زالوا في عمر الزهور. عرفها الجيران بابتسامتها الهادئة وهدوء صوتها وحرصها الدائم على السؤال عن الجميع. كانت كما يصفها من حولها (ست بيت من الطراز النادر) تتحمل أعباء الحياة بصمت وتحاول أن تُبقي بيتها متماسكًا مهما اشتدت الضغوط.
لكن خلف الجدران كانت الخلافات تتراكم.
وفقًا لروايات عدد من الجيران بدأت بمشادة كلامية بين الزوجين مع ساعات الصباح الأولى، كلمات حادة نبرة غاضبة توتر واضح في الصوت. لم يكن الأمر غريبًا تمامًا فالمشاجرات الزوجية تحدث في كثير من البيوت لكن أحدًا لم يتخيل أن تلك اللحظات ستنقلب إلى كارثة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
تطورت المشادة سريعًا. ارتفعت الأصوات أكثر وتعالى بكاء الأطفال. ثم وفي لحظة فقد فيها العقل سيطرته تحولت الكلمات إلى اعتداء دموي. سدد الزوج حسب الصفة التشريحية 41 طعنة متفرقة في جسد زوجته في مشهد قاسٍ لا تحتمله القلوب لتنزف الأم أمام أعين صغارها الذين لم يستوعبوا في البداية ما الذي يحدث.
شهادة أحد جيرانها
أحد الجيران روى اللحظات الأولى قائلًا: “سمعنا صراخ الأطفال بطريقة تخضّ لم يكن صراخ لعب أو شجار عادي كان صراخ خوف حقيقي. جريت مع أكثر من شخص على البيت وطرقنا الباب بعنف وعندما دخلنا… كانت فاطمة ملقاة على الأرض والدماء حولها والأطفال يصرخون ويتمسكون بها”.
المشهد كان صادمًا للجميع. أمٌّ تحتضر وأطفال يلتفون حولها يحاولون إيقاظها يهزون جسدها الصامت ينادونها بأصوات مرتجفة: (قومي يا ماما… ردي علينا”، كلمات صغيرة خرجت من قلوب صغيرة لكنها لم تجد إجابة.
الأطفال بحسب شقيقة الضحية وأحد الأقارب يعيشون الآن حالة من الصدمة النفسية الشديدة. قال بصوتٍ يملؤه الألم:
“هم مش فاهمين يعني إيه موت بس فاهمين إن مامتهم مش بترد. كل صوت عالي يخوفهم كل باب بيتقفل فجأة يخليهم يعيطوا شايفين المشهد قدامهم كل شوية”.
لم تكن فاطمة مجرد اسم في سجل ضحايا العنف الأسري. كانت أمًا تحلم بتعليم أولادها وتسعى لتأمين مستقبلهم. كانت تفرح بنجاحهم في المدرسة وتغضب لمرضهم وتدعو لهم في صلاتها واليوم تحوّل البيت الذي كان يحتضن ضحكاتهم إلى مكان يذكّرهم بلحظة فقدٍ لا تمحى من الذاكرة.
البلاغ.
فور تلقي البلاغ انتقلت قوات الأمن إلى موقع الحادث وفرضت طوقًا أمنيًا حول المنزل، نقل الجثمان إلى مشرحة مستشفى المحلة العام تحت تصرف النيابة العامة التي باشرت تحقيقاتها العاجلة لكشف ملابسات الواقعة ودوافعها.
الزوج الذي أشارت التحريات الأولية إلى تورطه في الجريمة لاذ بالفرار عقب الحادث فيما تكثف الأجهزة الأمنية جهودها لضبطه.
الشارع في حي البهي لم يعد كما كان حالة من الحزن والغضب تسيطر على الأهالي، السيدات يتحدثن بقلق عن الخلافات التي قد تتصاعد دون تدخل والرجال يقفون في صمت ثقيل وكأنهم يحاولون استيعاب أن الجريمة وقعت بينهم في بيت يعرفونه جيدًا.
إحدى الجارات قالت والدموع في عينيها: “فاطمة كانت طيبة قوي عمرنا ما سمعنا منها كلمة وحشة كانت بتسأل علينا كل يوم إزاي يحصل فيها كده؟ إزاي تموت بالطريقة دي”؟!
بلا شك الحادثة أعادت إلى الواجهة قضية العنف الأسري ذلك الخطر الصامت الذي يبدأ غالبًا بخلافات صغيرة وسوء تفاهم وضغوط معيشية لكنه قد يتطور إذا لم تتم معالجته بالحوار والدعم إلى انفجار مدمر
خبراء في الشأن الأسري يؤكدون؛ أن تراكم الضغوط النفسية والاقتصادية مع غياب ثقافة الحوار قد يدفع بعض الأزواج إلى سلوكيات عنيفة تكون عواقبها كارثية على الأسرة بأكملها خصوصًا الأطفال.
الأطفال في مثل هذه الوقائع لا يفقدون أحد الوالدين فحسب بل يفقدون الإحساس بالأمان البيت الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن طمأنينة يتحول في ذاكرتهم إلى مسرح خوف وهذا النوع من الصدمات قد يترك آثارًا طويلة المدى على صحتهم النفسية وسلوكهم الاجتماعي.
حماية الأطفال .
الدكتور عبد الحكيم الهلالي أستاذ علم الإجتماع بجامعة طنطا وأحد المتخصصين في الإرشاد الأسري أشار إلى أن مشاهدة العنف داخل المنزل تُعد من أقسى التجارب التي قد يمر بها الطفل لأنها تهزّ ثقته في أقرب الناس إليه. وأضاف أن التدخل النفسي السريع ضروري لحمايتهم من تطور اضطرابات القلق والخوف المزمن.
أسرة الضحية تحاول الآن لملمة ما تبقى من شتات الألم الذي يملأ القلوب لكن القلق الأكبر على الأطفال – كما تقول بأسى شقيقة الضحية – من سيحتضنهم ليلًا عندما يستيقظون فزعين؟ من سيشرح لهم معنى الفقد؟ وكيف يمكن لطفل أن يفهم أن من كان يفترض أن يحمي البيت كان سبب انهياره؟
وفي مشهد جنائزي حزين تم تشييع جنازة السيدة فاطمة بحضور الأهل والجيران وأبناء المنطقة في وداع أخير لامرأة رحلت بطريقة مأساوية.
سيكون الوداع ثقيلًا ليس فقط لأن روحًا أزهقت بل لأن ثلاثة قلوب صغيرة كُسرت في لحظة.
القضية لم تعد مجرد خبر عابر بل تحولت إلى صرخة تحذير. صرخة تقول إن الخلافات مهما كانت حدتها لا يجب أن تُترك حتى تتحول إلى نار تحرق كل شيء.
الحوار وطلب المساعدة الاستشارة الأسرية كلها وسائل قد تنقذ بيتًا من الانهيار وأطفالًا من اليتم العاطفي، ولكن يبقى السؤال المؤلم يتردد في شوارع المحلة: كم بيتًا يعيش خلف أبوابه صراعًا صامتًا؟!
وكم طفلًا قد يستيقظ يومًا على صراخ يشبه ذاك الذي دوّى صباح الجمعة؟!
ستظل صورة فاطمة الأم التي كانت تبتسم رغم التعب حاضرة في ذاكرة جيرانها. وستظل صرخات أطفالها تذكيرًا قاسيًا بأن العنف لا يحل أزمة ولا يطفئ غضبًا بل يخلّف وراءه جراحًا عميقة في النفوس.
مأساة البهي ليست مجرد جريمة قتل بل قصة بيت انهار وأطفال فقدوا حضن أمهم في لحظة ومجتمع مطالب بأن يتوقف طويلًا أمام هذا المشهد ليدرك أن الوقاية من العنف تبدأ بكلمة وباستماع وبمسئولية مشتركة تحمي الأسرة قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.




