أخبار مصر

كشف بيزنس مصحات علاج الإدمان الوهمية .. العلاج بـ«سرنجة الموت»

كشف بيزنس مصحات علاج الإدمان الوهمية .. العلاج بـ«سرنجة الموت»

لم يكن ذوو أحمد سالم (اسم مستعار) يتخيلون أن رحلة البحث عن التعافى من إدمان مخدر «البودر» ستتحول إلى مأساة حقيقية داخل مصحة غير مرخّصة فى «أبو النمرس» بالجيزة، بعد أن تركوا ابنهم طالبين له فرصة جديدة للحياة. بعد مرور شهرين فقط استقبلت أمه هاتفا من المصحة أبلغوها فيه بالحضور لاستلام جثمان نجلها، الأم المكلومة قالت بصوت مرتجف: «ابنى مكنش رايح يموت، كان رايح يتعالج، خرج من البيت على رجليه وقالّى يا أمى دى آخر مرة هتعبك، وهرجع إنسان تانى ورجعوه فى كفن».

الصدمة دفعت الأسرة وقتها إلى إبلاغ مركز شرطة أبو النمرس وتحرير محضر رسمى ضد القائمين على المصحة بتهمة التسبب فى الوفاة. كان ذلك فى أغسطس الماضى الذى قامت على إثره الجهات المعنية بغلق المصحة والقبض على العاملين.

لم تكن هذه الواقعة، هى الوحيدة، إذ تتابع النيابة العامة فى جنوب الجيزة تحقيقات فى عدة قضايا تتعلق بمصحات غير مرخّصة لعلاج الإدمان، بعد أن أصبحت منشآت غير قانونية مثل هذه، تهدد حياة المتعافين أكثر من الإدمان ذاته وكانت آخرها هروب المدمنين منذ أيام من أحد المراكز انتشرت فيديوهاته عبر مواقع التواصل الاجتماعى،

الكشف عن الجوانب الخفية فى هذا العالم.

أرقام وإحصائيات.

كماتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن ملف علاج الإدمان فى مصر شهد توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ عدد مراكز ومصحات علاج وتأهيل مرضى الإدمان المعتمدة رسميًا نحو ٣٤ مركزًا موزعة على ١٩ محافظة، مقارنة بـ١٢ مركزًا فقط عام ٢٠١٤، بحسب بيانات صادرة عن الجهات الحكومية المعنية.

وعلى صعيد المتعافين والمترددين على العلاج، استقبلت مراكز العلاج والخط الساخن لعلاج الإدمان «١٦٠٢٣» أكثر من ٦٦ ألف شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام ٢٠٢٤ فقط، ما بين حالات جديدة ومتابعات، ضمن خدمات تشمل سحب السموم والعلاج النفسى والتأهيل الاجتماعى.

كما تشير تقارير رسمية إلى استفادة عشرات الآلاف من المتعافين من برامج إعادة الدمج المجتمعى والتمكين الاقتصادى منذ عام ٢٠١٤، فى محاولة للحد من الانتكاسة ودعم التعافى المستدام، ويقدم مستشفى القوات المسلحة العلاج بالمجان بصورة البطاقة فقط.

وفيما يتعلق ببروتوكول علاج الإدمان،

أوضح الدكتور وليد الهندى، الطبيب النفسى، الذى لفت بأن العلاج لا يقتصر على سحب السموم فقط، موضحًا أن «بروتوكول علاج الإدمان يبدأ أولًا بالتقييم الشامل للحالة النفسية والجسدية للمريض، ثم مرحلة سحب السموم تحت إشراف طبى كامل، تليها مرحلة العلاج النفسى والتأهيل السلوكى، وهى الأهم لضمان عدم الانتكاس».

يضيف «الهندى»: «أشد المخدرات شراسة الهيروين والكراك، لأنها تسبب اعتمادًا جسديًا ونفسيًا شديدًا، وتتطلب برامج علاج طويلة، غالبًا من ٣ إلى ٦ أشهر فى المراحل المكثفة من العلاج، مع متابعة مستمرة بعدها. المخدرات الأخرى مثل بودر الحشيش أو الحبوب المخدرة «برشام» تعتبر أقل شراسة جسديًا، لكن لها تأثير نفسى قوى، وتحتاج عادة من ٦ أسابيع إلى ٣ أشهر لعلاج الانسحاب والتأهيل النفسى».

قرر خوض المغامرة كمدمن يحاول التعافى من الهيروين ويبحث عن مصحة، ستكشف لنا طرقا مختلفة منها المرخص والحكومى وتحت «بير السلم».

سماسرة المصحة

بدأنا من أحد جروبات «علاج الإدمان بالمجان» على منصة فيسبوك، نشرنا منشورًا نبحث فيه عن مكان علاجى «عن تجربة»، بسعر اقتصادى، مع توفير دعم نفسى حقيقى، ولكن تبدأ خيوط سمسرة مصحات الإدمان من حيث يفترض أن يكون الدعم، فخلال أقل من ساعتين، انهالت أكثر من ٥٠ تعليقًا ورسالة خاصة، لم يكن بينها أطباء أو جهات رسمية، بل وسطاء يعرضون «الحل السريع». أحدهم علّق صراحة: «عندى ثلاثة أماكن فى الجيزة والإسكندرية… كلمنى».

صاحب التعليق، الذى عرّف نفسه باسم «أبو عمر الصعيدى»، جمعنا به حديث عبر «فيسبوك ماسنجر»، وبعد أن أوضحنا له أن الحالة مدمن هيروين، حسم الأمر دون أى تقييم طبى، مؤكدًا أن العلاج سيستغرق ستة أشهر بتكلفة ٥ آلاف جنيه شهريًا، وأن مقر المصحة فى منطقة المنيل. وعند سؤاله عن طبيعة عمله، نفى كونه سمسارًا، مؤكدًا أنه «معالج ومشرف على خطوات العلاج والجلسات النفسية»، قبل أن يفاجئنا باعترافه أنه خريج كلية دار علوم، لا يحمل أى مؤهل طبى أو نفسى معتمد.

«أبو عمر» لم يكن حالة فردية، فخلال التجربة نفسها تواصل معنا شخص آخر هاتفيًا، بدأ حديثه بالسؤال عن القدرة المادية قبل السؤال عن الحالة الصحية، محددًا سعرًا ومدة علاج مسبقين، ومؤكدًا إمكانية «استلام المريض فورًا»، فى مشهد يكشف كيف تحولت جروبات الدعم إلى سوق مفتوحة، تُدار بمنطق العمولة لا العلاج، ويقوده أشخاص بلا تأهيل، يتلاعبون بمصير المرضى تحت ستار الرحمة والمساعدة.

الأخطر أن السمسار لا يكتفى بدور الوسيط، بل يتحكم فعليًا فى مسار العلاج: يحدد المدة، ويُسعّر الشهر، ويمنح وعودًا بالإجازات والشفاء، دون كشف طبى أو تشخيص مهنى، ما يحوّل رحلة العلاج إلى مقامرة بحياة المرضى.

وبينما تتوسع حملات الدولة لإغلاق «مصحات بير السلم»، يظل السمسار هو الحلقة الأخطر والأكثر خفاءً، لأنه يعمل خارج الجدران، ويتسلل إلى البيوت عبر شاشة هاتف، مستغلًا الخوف واليأس، فى جريمة مكتملة الأركان عنوانها الاتجار بالمرض لا علاجه.

إضافة لتجربة التواصل مع السماسرة، حصلنا على أرقام مصحات من خلال منشورنا بالجروب وبدأنا فى مهاتفتها، كانت أولاها مع مصحات فى قها وبنها، حيث يعمل من ترك لنا هاتفه مشرف علاج، أشرت إليه بأنى مدمن هيروين منذ ٦ أشهر أتعاطى تذكرة يوميا، وأقلق بشأن ما أسمعه من الضرب والتعذيب.

بادرنا أحمد درويش بأن ذلك لا يحدث فى مراكزهم وأن لديه أشخاصا تعافوا بعد ٥ سنوات إدمانا للهيروين، حيث إنه يتم العلاج طبقا للبروتوكول، وعن التكلفة أشار إلى أن مدة العلاج ستصل إلى ٦ اشهر تبدأ بسحب السموم فى ١٠ أيام، تكلفة اليوم ٤٠٠ جنيه وبعدها تكلفة الشهر ٧٠٠٠ جنيه تشمل الأكل والغسيل والإقامة بغرفة مزدوجة.

هاتفنا رقم آخر وفور سماعه لتخوفاتنا من الضرب كان رده «يا باشا إنت دلوقتى جاى بقرارك مش جاى شحن غصب عنك فإذا مفيش ضرب ولا إهانة» استوضحنا منه عن مفهوم الشحن فأشار إلى أنه الشخص الذى يوصله أهله للمركز بالقوة لرفض العلاج، وذلك قد يستدعى الضرب لكن لا يقوم به فى مركزه، وقبل الاستفاضة فى الحديث شعر بالقلق فأغلق الهاتف.

ما كشفته التجربة يضع سمسرة مصحات الإدمان تحت شبهة قانونية مباشرة، تبدأ من انتحال صفة «معالج» أو «مشرف علاجى» دون ترخيص، ولا تنتهى عند تسهيل إيداع مرضى فى منشآت غير مرخصة مقابل عائد مادى، ووفقا لقانون تنظيم المنشآت الطبية غير الحكومية وقانون الصحة النفسية، تشير عايدة أبو سكينة، محامية نقض، إلى أنه لا يجوز لأى شخص مزاولة أى دور علاجى أو إشرافى دون مؤهل معتمد وترخيص رسمى، كما يُعد توجيه المرضى إلى أماكن مخالفة اشتراكًا صريحًا فى الجريمة.

وفى إطار جهودها للرقابة على مراكز علاج الإدمان غير المرخّصة، أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق أكثر من ٨٠ مركزًا خلال العام الماضى فى مختلف المحافظات، بينها القاهرة والجيزة والإسكندرية وأسوان وأسيوط والشرقية ومدينة العبور والشروق والمقطم.

وأوضحت الوزارة أن هذه المراكز كانت تعمل بدون تراخيص أو مخالفات للاشتراطات الصحية والقانونية، ما يعرض حياة المتعافين للخطر. تأتى هذه الحملة ضمن خطة مستمرة لحماية المواطنين وضمان تقديم العلاج داخل منشآت مرخصة وآمنة، بعد أن شهدت بعض المناطق حالات وفاة وإصابات داخل مراكز غير قانونية.

زمالة المدمنين.

أما خطوتنا التالية لكشف كواليس العلاج بالمصحات غير المرخصة وخريطة انتشارها، كان من خلال الاستماع لتجارب حقيقية فيما يسمى بزمالة المدمنين المجهولين (Narcotics Anonymous)، كإحدى المنظمات غير الربحية التى تقدم دعمًا جماعيًا للأشخاص الذين يواجهون مشكلة المخدرات، حيث شاركنا فى أحد اجتماعات الزمالة المنتشرة فى أكثر من ٢٦ محافظة وتُعقد فيها مئات الاجتماعات أسبوعيًا فى القاهرة والإسكندرية والمحافظات الأخرى.

وقال هانى إسماعيل، عضو من المتعافين فى الزمالة : «ما يميز زمالة المدمنين المجهولين هو أنها تمنح كل شخص فرصة جديدة للحياة بدون المخدرات، ليس عبر وعود علاج سحرية، لكن من خلال تجربة مباشرة مع أناس مرّوا بنفس الطريق ونجحوا فى الخروج منه. الاجتماعات ليست مجرد كلمات، بل دعم حقيقى يساعد على تقبل الذات والتغيير خطوة بخطوة».

واستطرد هانى أن المصحات غير المرخصة ناقوس خطر دائم للمجتمع ككل فلا توجد فيها أى هدف للعلاج، فقط هدفها الأول والأخير ربحى فقط، فكى تتعرف على طريقتها فى العمل عبارة عن «سبوبة» يقوم بها بعض المتعافين من الإدمان

يقوم بها بعض المتعافين من الإدمان يقومون باستئجار شقة وقفل الأبواب والمنافذ بالحديد وعدم اتباع أى بروتوكول علاج، فمن أهدافهم استمرار المدمن كى يحققوا أرباحا متتالية فمتوسط تكلفة العلاج من ٤٠٠ إلى ٦٠٠ جنيه للفرد.

وتؤكد الزمالة فى مبادئها أن سرّ نجاحها يكمن فى القوة التى يجدها العضو فى دعم رفاقه من المتعافين، وعدم التصوير أو البوح بأسرار الاجتماعات، ما يحفز الالتزام بالامتناع عن التعاطى ويخلق شبكة أمان نفسية واجتماعية للأعضاء، وتعتمد الزمالة العالمية على مبدأ بسيط هو أن العضوية مفتوحة لأى شخص لديه الرغبة فى الامتناع عن تعاطى المخدرات دون أى رسوم أو شروط معقدة.

حقنة الموت.

بين الأسرار التى تمكنا من معرفتها عن طرق العلاج فى المصحات غير المرخصة ما يسمى «حقنة الموت» التى تستخدم كإحدى الأدوات العقابية، بجانب الضرب والتعذيب الذى يندرج تحته الحبس والتقييد بالسلاسل ومنع الطعام، فالحقنة المحرمة دوليا هى آخر وسيلة يلجأ إليها المركز مع رافضى التعافى من زبائنهم.

يشير هانى إلى أن بيزنس المصحات الوهمية قد يقوم بشكل غير آدمى لزيادة الربح بحجز أكثر من ١٠ مدمنين فى غرفة ٤ أمتار بوهم العلاج، فضلا عن تقديم الكورتيزون فى الطعام لزيادة الوزن وإعطاء الإيحاء بالتعافى لذويهم أثناء زياراتهم لكن بدون تعافٍ حقيقى، وهناك ما هو أخطر من خلال ترويج المخدر من المشرفين فلا توجد أى رقابة فيهم.

وكشف عضو زمالة المدمنين المتعافين أن فى منطقته توفى ٧ أشخاص خلال شهور بعد تلقيهم العلاج فى المصحات، وكان سبب ذلك حقنة الموت وهى عبارة عن استبدال المياه فى سرنجة سحب السموم بقطرة لتوسيع قاع العين كنوع من تسريع العلاج، وهو ما يتسبب فى خراج بالجسم كله ويصل إلى الكلى وتؤدى إلى الوفاة فى مدة أقصاها ٣ أشهر من تلك الجرعة.

وهناك حقنة أخرى متعارف عليها فى المراكز تسمى «اللوح»، تعطى للمتعافى الرافض للعلاج بشدة، فى حالات العلاج، وهى محرمة دوليا وتندرج تحت جدول المخدرات، وتؤدى إلى شلل مؤقت فى الرقبة والفم، ومن هنا جاء اسمها الدارج، حيث تعمل على تخدير تام للمريض كنوع من العقاب، وطالب بضرورة توسيع مهاجمة تلك الكيانات التى تؤدى إلى الموت بدلا من العلاج.

وفى ضربة رقابية جديدة لملف علاج الإدمان غير المرخص، أعلنت وزارة الصحة والسكان خلال الأيام الماضية إغلاق ١٨ مركزًا لعلاج الإدمان والطب النفسى بمحافظات القاهرة والقليوبية والشرقية، بعد ثبوت عملها دون تراخيص قانونية ومخالفتها لاشتراطات الصحة والسلامة.

الإغلاقات جاءت عقب حملة تفتيشية مشتركة ضمت إدارات العلاج الحر، والمجلس القومى للصحة النفسية، والأمانة العامة للصحة النفسية، وبالتنسيق مع الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بوزارة الداخلية.

الدكتور إبراهيم مجدي ، استشاري الطب النفسي، قال إن الهيروين يعد من أخطر أنواع الإدمان، ويحتاج علاجه إلى برنامج من ١٢ خطوة أهمها النفسية لعدم حدوث انتكاسات، ويستلزم علاجا دوائيا منها مضادات اكتئاب وضغط دم وزهان، واستطرد أن هناك خطوتين لعلاج الإدمان أولها العزيمة، أما الأهم فهو اختيار مكان العلاج فلابد من وجود طبيب لأعراض الانسحاب، وأخصائى نفسى للجلسات الجماعية، وعلاج أسرى لعدم الانتكاسة وتوطيد العلاقة بين المتعافى وأهله فعلاج الإدمان ليس حبسا فقط وتعذيبا فهو مفهوم خاطئ ولم ينجح، فالمدمن يصحبه سلوك منحرف، فإذا قمنا بتعذيبه يخرج بأمراض نفسية أخرى تسبب انتكاسة أكبر.

واستقبل «إبراهيم» ، فى عيادته، أحد تجارب العلاج فى مصحات «بير السلم»، يقول: فوجئت بحالة غريبة من الحكة لديه والخوف من العلاج وبعدما تحدثت معه أشار إلى أنه تعرض لتجربة العلاج فى مركز غير مرخص وتعرض للضرب والتعذيب حتى تمكن من الهروب، فكيف لتلك المراكز أن تبيع الوهم بالعلاج وهى تؤدى بالأساس إلى انتكاسات كبرى، فلابد من التوعية بأن الدولة توفر مراكز بالمجان بأطباء متخصصين -منها مستشفى إمبابة- والتى توفر ١٥٠ سريرا فلابد من أهل المدمن البحث عنها وعدم الانسياق وراء الإعلانات: «اوعى تسترخص وتروح أماكن لا تعرفها» اتصل بالخط الساخن لعلاج الادمان، هناك ٢٦ مستشفى لعلاج الادمان، ابنك مريض مش مدمن.

استعلمنا عن «حقنة اللوح» من الدكتور «إبراهيم»، فأكد أنها بالفعل منتشرة كبروتوكول علاج فى الأماكن غير المرخصة وهى عبارة عن مهدئ عام وتندرج تحت جدول المخدرات من ضمن العلاجات المخصصة لعلاج الذهان، ولا ينصح بالعلاج بها منفردة أو بدون وصف طبى محدد بالجرعة المخصصة، ولها أدوية مخصصة للأعراض الجانبية مثل اللوح الذى يتم استخدامه كعلاج للمدمن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى