
العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين مصر والصين، يمثل التعاون في القطاع الصحي أحد أبرز محاور الشراكة بين البلدين، التي شهدت خلال السنوات الماضية تطورًا لافتًا، انتقل من تبادل الخبرات والدعم في مواجهة جائحة كورونا إلى التعاون في توطين صناعة اللقاحات والأدوية والمستلزمات الطبية، وإنشاء معامل بحثية متقدمة، وصولًا إلى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتطوير المستشفيات الذكية.
وتكتسب هذه الشراكة زخمًا متزايدًا بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني لمصر، في ضوء ما تمثله العلاقات المصرية الصينية من شراكة استراتيجية شاملة منذ ديسمبر 2014، وما تشهده من تنسيق متواصل في مختلف المجالات، خاصة في الملفات المرتبطة بالصحة العامة والتصنيع الدوائي والتكنولوجيا الطبية والتحول الرقمي، بما يدعم توجه الدولة المصرية نحو بناء نظام صحي حديث ومستدام وتعزيز قدراتها التصنيعية والطبية.
من مواجهة كورونا إلى توطين صناعة اللقاحات.
كانت جائحة كورونا إحدى أبرز المحطات التي كشفت قوة التعاون الصحي بين القاهرة وبكين، إذ شهد عام 2020 تنسيقًا مكثفًا بين الجانبين في مجال مكافحة الفيروس وتبادل الخبرات والبيانات، إلى جانب مشاركة مصر في التجارب السريرية للقاحات الصينية تمهيدًا لإنتاجها محليًا.
وفي مارس 2021، استقبلت مصر 300 ألف جرعة من لقاح «سينوفارم» الصيني كهدية من الحكومة الصينية، ضمن الدعم الذي قدمته بكين لمصر خلال الجائحة، كما شهد أبريل من العام نفسه توقيع اتفاقيتين مع شركة «سينوفاك» لتصنيع لقاحات كورونا في مصر من خلال الشركة القابضة للمستحضرات الحيوية واللقاحات «فاكسيرا».
وتواصل التعاون خلال عامي 2021 و2022 بهدف نقل تكنولوجيا تصنيع اللقاحات إلى مصر وتعزيز قدراتها الإنتاجية، حيث جرى العمل على إنشاء مستودع تبريد لوجستي مركزي بسعة تصل إلى 150 مليون جرعة لقاح، إلى جانب خطط لإنتاج اللقاحات محليًا والوصول إلى جعل مصر مركزًا إقليميًا لتصنيعها وتصديرها.
كما بحث الجانبان دعم مصر بـ60 مليون جرعة من لقاح «سينوفارم»، بالتوازي مع تطوير البنية التحتية اللازمة للتصنيع المحلي.
معامل متقدمة لإنتاج اللقاحات
امتد التعاون المصري الصيني إلى مجال البحوث العلمية وإنتاج اللقاحات، حيث شهد عام 2022 متابعة تنفيذ مشروع إنشاء وتجهيز معمل للبحوث العلمية وإنتاج اللقاحات بمستوى الأمان الحيوي BSL-3 داخل مجمع «فاكسيرا» الصناعي بمدينة السادس من أكتوبر.
ويقام المشروع على مساحة تبلغ نحو 5860 مترًا مربعًا، بطاقة إنتاجية متوقعة تصل إلى 200 مليون جرعة لقاح، وبتكلفة تقدر بنحو 30 مليون دولار، بما يعزز قدرات مصر في مجال البحث والتطوير والتصنيع الحيوي، ويدعم خطتها للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج اللقاحات.
وفي فبراير 2023، بحث الجانبان أيضًا تعزيز التعاون في مجالات البحث والتطوير والابتكار في مضادات الفيروسات واللقاحات والأمصال، إلى جانب تجهيز معامل السلامة الحيوية وزيادة خطوط إنتاج اللقاحات، فضلًا عن التعاون في إنشاء تسع وحدات رعاية صحية صديقة للبيئة وتجهيز المنشآت الطبية بأحدث الأجهزة.
التصنيع الدوائي والمستلزمات الطبية
ومع تطور الشراكة، توسعت مجالات التعاون لتشمل التصنيع الدوائي والمستلزمات والأجهزة الطبية، حيث شهد عام 2025 سلسلة من اللقاءات بين هيئة الدواء المصرية وشركات صينية كبرى لبحث زيادة الاستثمارات في القطاع الدوائي، وتوطين صناعة المستحضرات الحيوية، وزيادة الطاقات الإنتاجية.
وفي ديسمبر 2025، عقد رئيس هيئة الدواء المصرية اجتماعًا مع الرئيس التنفيذي لشركة «شينزن رويان» الصينية لبحث فرص التعاون والاستثمار في الصناعات الدوائية والطبية في مصر، كما استقبلت الهيئة وفدًا من كبرى الشركات الصينية العاملة في مجال المستلزمات الطبية لبحث فرص الاستثمار، والتصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتطوير برامج التدريب وتبادل الخبرات الفنية.
وفي يناير 2026، امتد التعاون إلى توفير المستحضرات الدوائية الحيوية ذات الأولوية للمريض المصري، ودعم التصنيع المحلي وزيادة الطاقات الإنتاجية، من خلال مباحثات مع مجموعة «هالو» الصينية.
توطين أجهزة الأشعة والتكنولوجيا الطبية
وتوطين صناعة الأجهزة الطبية أحد المحاور الجديدة في التعاون المصري الصيني، حيث بحثت الهيئة المصرية للشراء الموحد في يونيو 2026 مستجدات مشروع توطين صناعة أجهزة الأشعة والتصوير الطبي في مصر، بالتعاون مع الهيئة العربية للتصنيع، تمهيدًا لتشغيل المصنع وفق أحدث التقنيات العالمية.
ويستهدف المشروع تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير أجهزة الأشعة والتكنولوجيا الطبية إلى الأسواق العربية والأفريقية، بما يتماشى مع توجه الدولة نحو تعميق التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات الطبية المصرية.
وفي يناير 2026، ناقش وزير الصحة والسكان مع وفد شركة «ميندراي» الصينية المتخصصة في صناعة الأجهزة الطبية، تعزيز التعاون في توطين الصناعات الطبية، خاصة أجهزة الأشعة الذكية، إلى جانب التوسع في تنفيذ نموذج المستشفيات الذكية على مستوى الجمهورية.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ومع دخول التعاون الصحي بين البلدين مرحلة جديدة، أصبح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي أحد أبرز الملفات المطروحة على أجندة التعاون.
وفي أغسطس 2026، بحث وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار، مع ممثلي شركة «هواوي» الصينية التعاون في التحول الرقمي لقطاع الرعاية الصحية، من خلال نموذج «السحابة الموحدة» (One Cloud) لتكامل البيانات الصحية.
وتناول اللقاء عددًا من المشروعات الجارية في مجال البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات بالمستشفيات، وأنظمة أرشفة وتبادل الصور الطبية PACS، والباثولوجيا الرقمية، إلى جانب حلول الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، بما يدعم رؤية مصر 2030 ومنظومة التأمين الصحي الشامل.
كما وجه ممثلو الشركة دعوة لوزير الصحة للمشاركة في مؤتمر «Huawei Connect 2026» المقرر عقده في شنغهاي خلال الفترة من 17 إلى 19 سبتمبر 2026.
وكان التعاون في التحول الرقمي قد بدأ في مراحل سابقة، حيث شهد أبريل 2024 مباحثات بين وزارة الصحة وشركة «هواوي» حول ميكنة تدريب الأطباء والتمريض، وتطوير نظم إدارة المستشفيات الذكية، والتدريب وتبادل الزيارات بين الفرق الطبية المصرية والصينية.
شراكة تتجه إلى التكنولوجيا والاستثمار
وشهد أبريل 2025 مشاركة رئيس الهيئة العامة للرعاية الصحية في النسخة الـ91 من معرض CMEF الدولي للأجهزة والمستلزمات الطبية بمدينة شنغهاي الصينية، في خطوة عكست اهتمام مصر بالتعرف على أحدث التقنيات الطبية وتعزيز فرص التعاون والاستثمار مع الشركات الصينية العاملة في القطاع الصحي.
وبذلك، لم يعد التعاون الصحي بين مصر والصين مقتصرًا على المساعدات أو تبادل الخبرات، وإنما أصبح شراكة متعددة المسارات تشمل التصنيع الدوائي، وإنتاج اللقاحات، والأجهزة والمستلزمات الطبية، ونقل التكنولوجيا، والبحث العلمي، والتدريب، والمستشفيات الذكية، والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وتعكس محطات التعاون المتتالية توجه البلدين إلى بناء شراكة صحية أكثر استدامة، تستند إلى الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة، بما يدعم قدرات مصر الإنتاجية ويعزز مكانتها كمركز إقليمي للرعاية الصحية والصناعات الطبية، ويفتح في الوقت نفسه آفاقًا جديدة للتعاون المصري الصيني في الأسواق الأفريقية والعربية.




