
انطلقت صرخات الألم من بين ثنايا فم الأم، تمزق السكون الرهيب الذي يخيم على القرية معانقا سواد الليل، وطالت فترة الألم، وتعالت صرخات الأم.
وزادت فترة الترقب بين أهل القرية، رويدا، رويدا، سكتت صرخات الام، وانطلقت صرخات الوليد الجديد عبد الحليم علي اسماعيل شبانة والشهير فنيا بعبد الحليم حافظ.
وفجأة أدركت السيدات اللاتي حضرن عملية الولادة أن الأم سكتت إلى الأبد، وانطلقن جميعهن في صراخ مدوي على تلك الفقيدة بدلا من أن ينطلقن بالزغاريد كعادة اهل الريف.
بينما كانت صرخات الوليد غير عادية لأنه لم يكن يصرخ صراخ الاطفال الذين يقبلون على نور الحياة لأول مرة، لكن كان صراخه مزيجا من الألم والحزن وكأنه يبكي نفسه منذ المهد.
تجمعت نساء القرية حول المولود وامه، وعلت اصواتهن حزنا على المتوفاة التي كانت من خيرة أهل القرية، وإذا بإحدى النانحات تعرض على المعزيات أن يتم ارضاع الطفل من ثدي أمه المتوفاة كي يموت رحمة به من العذاب الذي سوف يراه من موت أمه.
لكن أصوات الأمل والحياة كانت أعلى من أصوات النانحات، حيث أسرع الأب والخال وانقذا المولود وكتبت له الحياة، وعندما كبر عبد الحليم سمع بهذه الرواية لكنه لم يتوقف كثيرا عندها، ولم يكن حاقدا أو ناكرا للجميل لأهل قريته.
وكان دائما بينهم يعاني الامهم ويعيش افراحهم، يتبرع بمعظم ايراد حفلاته من أجل عمل الخير للقرية التي انجبته، وكان يعوض ذلك الحرمان الاسري الذي افتقده منذ مولده.
حدث هذا المشهد في قرية الحلوات التابعة لمركز الإبراهيمية بمحافظة الشرقية في مساء يوم 21 يونيو 1929، حيث كان الطفل اليتيم عبد الحليم علي اسماعيل شبانة، ووالدته السيدة زينب احمد عماشة، ابنة عم المحامي احمد رشدي عمارة الذي ذاع صيته في تلك الفترة، وقد رشح قبل الثورة وزيرا للعمل لكنه اعتذر عن قبول الوزارة، وكان عبد الحليم هو آخر العنقود بين اشقائه الثلاثة، اسماعيل، محمد، علية، وكان الفرق في السن بينه وبينه شقيقه الاكبر اسماعيل 10 سنوات.
وبحسب ماكتب عادل حسنين مؤلف كتاب عبد الحليم حافظ، وليلى مراد “يامسافر وناسي هواك”، والذي يعد واحدا من سلسلة عن اعلام الفن والادب.




