شيخ الأزهر: فقدان الرحمة والتراحم أخطر ما يواجه الإنسان في العصر الحديث
شيخ الأزهر: فقدان الرحمة والتراحم أخطر ما يواجه الإنسان في العصر الحديث

قال فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه عالمنا المعاصر – اليوم- بعالم الأمس يوم بعث هذا النبي الكريم، بل ما أشد حاجة عالم اليوم إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم لإنقاذه مما غرق فيه من حمأة العلل والأمراض النفسية والاجتماعية والآفات الخلقية، وما ركن إليه من سياسات القهر والظلم والبطش بالفقير والضعيف، وما خلفه كل ذلك من أزمات اقتصادية واضطرابات سياسية، ومن توترات وصراعات، ومن منغصات العيش ومكاره الحياة، لافتا إلى أن أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر، ويتربص به الدوائر، هو فقدان قيمة الرحمة والتراحم بين البشر، وهي قيمة اتصف الله تعالى بها، ومدح بها أنبياءه، وأتمها في النبي الخاتم، وعُدَّت من أخص خصائصه، وبها جاء ثناء الله تعالى في القرآن الكريم على خُلق هذا الرسول، ووصفه هذا الخُلق النبوي بأنه خلق عظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: 4]، وقد وقف العلماء طويلا على أبواب هذه الآية، واستخلصوا منها دروسا بالغة العمق في دلالتها على تفرد هذا النبي بأخلاق عالية القدر لم تعرف لغيره من سائر البشر.وأضاف شيخ الأزهر خلال كلمته،اليوم الأربعاء، في الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بالعاصمة الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، إنه يمر اليوم على ميلاد رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم ما يقرب من خمسة عشر قرنا من الزمان، ولا يزال عالمنا المعاصر -شرقا وغربا- يعشو إلى ضوء مصباحه الذي أشرق على الوجود فأضاءه بعد ليل طويل حالك الظلمات، بدت فيه شمس الحضارة الإنسانية آنئذ وكأنها تؤذن بغروب لا شروق بعده؛ فقد كان العالم في ذلكم الوقت في أمس الحاجة إلى ثقافة جديدة، ونظام مختلف ينهي ثقافة الطغيان، ويحل محل النظم التي كانت تسند ظهرها إلى القوة والاستبداد وقرابة الدم ومنطق القبائل والعشائر، «ثم شاء الله تعالى أن تأتي هذه الثقافة البديلة من جزيرة العرب، وأن تجد هذه الثقافة في مبدأ التوحيد، ولغة الوحي النبوي أساسا لوحدة العالم كله».وشدد شيخ الأزهر على أن لنا فيما تعانيه البشرية اليوم من مسلسل الحروب والدماء والأشلاء، وهدم البيوت والمستشفيات على الأطفال والنساء والمرضى، وخلف الوعود ونقض العهود، لعبرة ومندوحة وسعة، مشيرا إلى صعوبة المقارنة بين بشاعة حروب القرن الواحد والعشرين، وعدالة الحروب التي كان يقودها صاحب هذه الذكرى العطرة، وقادها من بعده خلفاؤه وأنصاره، فهذه المقارنة -فوق أنها تستعصي على التلخيص والإيجاز- هي من باب النقيضين اللذين لا يجتمعان في أمر مشترك بينهما بحال من الأحوال.وأشار شيخ الأزهر إلى أن أول ما يحرص العلماء على بيانه في الحديث عن أخلاقيات الحرب في الإسلام هو أن الباعث على القتال في الإسلام ليس هو حمل الناس على اعتناق هذا الدين، ولا حملهم على أن يتبعوا مذهبا اجتماعيا أو اقتصاديا معينا، وإنما الباعث على القتال هو: دفع العدوان ورده قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190].
وتابع أنه إذا كان الباعث على القتال محصورا في دفع الاعتداء؛ فإن الحرب تصبح في شريعة الإسلام وشرائع الأديان، بل وشرائع الضمير الإنساني – من باب الضرورات التي يجب تجنبها قدر الإمكان، لافتا إلى أن مما يقف له المتأمل في فقه هذه الشريعة إجلالا وإكبارا ما تقرره في أحكامها من حرمة الإقدام على قتال من لم تبلغهم دعوة الإسلام، وعلى نحو يبين لهم محاسن هذا الدين وما يضمنه للناس من حقوق العدالة والمساواة والحياة الطيبة: عقيدة وشريعة وأخلاقا، وبعبارة أخرى: حرمة المباغتة والأخذ على غرة قبل أن ينذروا ويدعوا إلى الإسلام دعوة كافية في التعريف به، أو يدعوا إلى معاهدة سلام.وبين شيخ الأزهر أنه إذا بدأ القتال، فها هنا نصوص قاطعة تطالب قادة جيوش المسلمين باحترام حقوق الضعفاء ممن لا يتصور منهم العدوان وحمل السلاح، فيحرم التعرض للنساء بالأذى أو بالقتل، وكذلك الأطفال يحرم قتلهم، كائنة ما كانت قسوة هذا العدو في قتال المسلمين، كما يحرم قتل الشيوخ من المسنين، وقتل الرهبان واللائذين بالكنائس والمعابد ودور العبادة، وقتل الجرحى والمرضى والزمنى، وهم من طال عليهم المرض، كما يحرم قتل المجانين والمكفوفين والزراع، وكذلك يحرم قتل الدواب والحيوانات، اللهم إلا إذا ذبحت بنية الأكل، فيباح للمنفعة، ويقدر ذلك بقدر الحاجة، ويذهب ابن حزم إلى أبعد من ذلك في قوله: «لا يحل عقر شيء من حيواناتهم البتة، لا الإبل ولا البقر ولا الغنم ولا الخيل ولا الخنازير».واختتم شيخ الأزهر كلمته بأن المقابلة بين حروب الأمس وحروب اليوم ليست مقارنة بين حروب الإسلام وحروب حضارة القرن الواحد والعشرين، بقدر ما هي تعبير عن حاجة العالم اليوم إلى منقذ، وإن شئت فقل: إلى طوق نجاة ينجيه من المزيد من الغرق في مجرة الظلمات، وأن هذا الطوق هو استذكار سيرة نبي الإنسانية في يوم مولده صلى الله عليه وسلم، والاستضاءة بما أرسله الله به من القيم الإنسانية التي نصح بها أمته، ومن ورائها سائر الأمم، وأودعها جوامع كلمه وحكمه في قوله صلوات الله وسلامه عليه: «تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك».




