
جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962 فى اليمن لإنهاء حكم الإمامة وإقامة جمهورية «حديثة»، فى مجتمع لم يكن به الكثير لتؤسس عليه الجمهورية. انتهت الإمامة كنظام حكم بينما بقيت كثير من العلاقات الاجتماعية والسياسية التى كانت تحملها حاضرة فى المجتمع، القبيلة، والمناطقية الجهوية، وشبكات الولاء الدينى والسلالى، والنفوذ التقليدى بمختلف أنواعه. والأهم أن الجمهورية اضطرت منذ لحظتها الأولى إلى التفاوض مع هذه التكوينات بدلًا من السعى للانتقال بها لطور اجتماعى جديد يقوم على فردية المواطنة ويستوعب الجماعات القرابية داخل مؤسسات وطنية حديثة؛ فالحرب الأهلية التى تلت الثورة، ثم المصالحات التى أنهتها، رسخت منطق التسويات بين مراكز القوى القديمة أكثر مما رسخت سيادة الدولة على الإقليم الوطنى، وحالت هذه التسويات دون الشروع فى تحديث يغير شكل المجتمع. يقدم فشل تجربة الجمهورية فى اليمن المثال المكثف لفشل الجمهوريات العربية فى بناء المجتمع الحديث، فمثل غيرها بدأت الجمهورية فى اليمن وهى تحمل تناقضًا تأسيسيًا يقوم بين أمل بناء دولة حديثة فى شكلها السياسى، وبنية اجتماعية وسياسية ما زالت تعمل وفق قواعد ما قبل حداثية.
نتاج فشل صيغة الجمهورية فى الحكم امتد تاريخ من الصراع السياسى والدموى، ومع وصول على عبد الله صالح إلى السلطة عام 1978، تطور النظام السياسى إلى فعالية عالية المهارة فى التلاعب بالتناقضات والتوازنات، خصوصًا بين الجيش والقبائل والنخب المحلية، لكنه ظل يعتمد على شبكة الولاءات الشخصية أكثر من اعتماده على مؤسسات دولة مستقلة. ثم جاءت الوحدة اليمنية عام 1990 لتوسع مجال الدولة، لكنها لم تحسم مسألة طبيعة الدولة نفسها، وانتهت حرب 1994 إلى تعزيز مركزية السلطة فى صنعاء من دون أن تؤدى إلى بناء عقد سياسى جديد بين المناطق والقوى الاجتماعية المختلفة. وفى الشمال تحديدًا ظلت الدولة تتعامل مع الأطراف بمنطق السيطرة والتفاوض الأمنى، بينما أخذت مؤسساتها تضعف أمام شبكات المصالح والفساد والمحسوبية.
فى ظروف فشل الجمهورية نشأت حركة الحوثيين. بدأت الحركة فى تسعينيات القرن الماضى عبر إحياء الزيدية فى شمال اليمن، فى مواجهة تمدد التيار السلفى، ثم أخذت تتحول تدريجيًا إلى حركة احتجاج سياسى، قبل أن تتحول إلى قوة مسلحة بعد اندلاع الحروب الست مع نظام على عبد الله صالح منذ عام 2004. والزيدية مذهبيًا لم تكن مجرد عقيدة دينية هامشية فى تاريخ اليمن، وإنما كانت الإطار الدينى والسياسى الذى حكم شمال البلاد قرونًا طويلة عبر نظام الإمامة. لذلك حمل الحوثيون معهم، منذ نشأتهم، طبقات تاريخية متراكبة من الذاكرة الاجتماعية والسياسية، وهى ذاكرة المذهب، وذاكرة المنطقة، وذاكرة الجماعة التى فقدت السلطة بعد الثورة الجمهورية. ومع ذلك فإن الحركة الحوثية لا يمكن اختزالها فى محاولة لإعادة الإمامة القديمة؛ فقد تمكنت من جمع العناصر السياسية والاجتماعية المتشرذمة داخل حركة سياسية وميليشاوية، واستخدمت خطابًا معاديًا للهيمنة الغربية والفساد والاستبداد.




