أحلام فاتن احترقت في نار الفرن.. نيرون الدقهلية أشعل النار في جيرانه بسبب الغسيل
أحلام فاتن احترقت في نار الفرن.. نيرون الدقهلية أشعل النار في جيرانه بسبب الغسيل

في وضح النهار، والشمس لم تكتمل حرارتها بعد، كان الشارع مزدحمًا كعادته؛ أصوات الباعة، همسات الجيران على الأبواب.. فجأة تغير كل شيء، صراخ حاد شق السكون.. مشادات تحولت في ثوان إلى فوضى؛ أشخاص يحملون جركن بنزين، وعيون لا ترى سوى الغضب.
كانت فاتن- بطلة قصتنا- تقف في منتصف المشهد، لا تفهم كيف خرج الأمر عن السيطرة، قبل ساعات فقط كانت تحتضن هاتفها وفيه صورة سونار لجنينها الصغير، كانت المسكينة ما تزال تعيش نشوة الخبر “أنا حامل”.
لكنها الآن ترتجف، رفعت يديها في رجاء، وصوتها يسبق دموعها: “علشان خاطر ربنا بلاش ترمي عليا البنزين وتولع فيا أنا حامل”.
كانت المسكينة تتراجع خطوة بعد خطوة، تحاول أن تحتمي بأي شيء، بأي أحد؛ توسلت، بكت، نظرت في وجوههم بحثًا عن ذرة رحمة، لكن لحظة الغضب كانت أعلى من صوتها وانسكب البنزين عليها واشتعلت النيران فيها؛ ليتحول الصباح العادي إلى مشهد فزع، هرع الناس، تعالت الصرخات، وامتد الدخان في الهواء كأنه يغطي الحقيقة التي حدثت أمام الجميع.
سقطت فاتن تصارع النار والألم، فيما كانت الحياة التي بداخلها لم تبدأ بعد.
كان ذلك الصباح بداية 21 يومًا من المعاناة داخل غرفة بالمستشفى وبداية نهاية حلم لم يعش سوى 18 ساعة فقط.. تفاصيل مثيرة ومأساوية عن فاتن عروس الدقهلية التي قتلت حرقا بلا ذنب بعد شهرين فقط من زواجها وبعد يوم واحد فقط من معرفتها بخبر حملها… وإلى التفاصيل..
داخل بيت بسيط يملؤه الطيبة والبساطة، بقرية المندرة التابعة لمحافظة الدقهلية، نشأت فاتن هيثم، فتاة جميلة، أول فرحة لأسرتها، لم تكمل عامها العشرين بعد، مشهود لها بالطيبة وكل من يعرفها يحبها، مثلها مثل أي فتاة في سنها تحلم بالفارس الذي سيأتيها ويأخذها على حصانه الأبيض وتعيش معه في سعادة وحب، وها قد جاء اليوم عندما تقدم لها شاب من قريتها، ومنذ الوهلة الأولى تعلقت بعه ورأت فيه الزوج الصالح والسند، وتزوج الاثنان وانتقلت فاتن لتعيش معه في شقة ببيت عائلته.
مرت الأيام الأولى في سعادة وفرح، إلى أن حدثت مشكلة بين أسرة زوج فاتن وجيرانهم، خلافات جيرة ومشاكل نسب، اعتقد الكل أنها ستمر مرور الكرام، لكن يبدو أن هناك نفوس حملت بداخلها الكره والضغينة وسيطر الانتقام عليها.
قبل الحادث
قبل أسبوع واحد فقط من الواقعة، اندلعت مشاجرة بين سلفة فاتن وجيرانهم، بدأت بشرارة بسيطة وتحولت إلى نذر أزمة أكبر؛ فبينما كانت الأولى تنشر الغسيل، أشعلت الجارة فرنها للخبز، فتطاير الدخان على الملابس، ما دفعها لمعاتبتها قائلة: “ليه ما قولتيش إنك هتخبزي؟ كنت شيلت الغسيل”.
غير أن العتاب البسيط سرعان ما تحول إلى مشادة حادة، بعدما انهالت الجارة بألفاظ جارحة، قبل أن يتدخل نجلها محمد، حاملاً سكينًا، مطلقًا تهديدات صريحة بالانتقام، أثناء ذلك كانت فاتن المسكينة تختبئ في حالة من الرعب، إلى أن تدخل بعض الجيران وتمكنوا من احتواء الموقف وفض الاشتباك ومرت الأيام.
وقبل الحادث بيوم واحد فقط، شعرت فاتن بإعياء مفاجئ، فاصطحبتها والدتها إلى الطبيب؛ لتكتشف الخبر الذي انتظرته بشغف، كانت حاملًا في مولودها الأول.. لم تتمالك دموع الفرح، التقطت صورة للسونار بهاتفها لتريها لجدتها، وخرجت من العيادة وقلبها يسبق خطواتها، تحلم بطفل لم تره بعد.
منذ تلك اللحظة، بدأت تنسج أحلامها الصغيرة؛ هل سيكون ولدًا أم بنتًا؟ ماذا ستسميه؟ كيف سيكون شكله؟ كانت تخطط لغد مليء بالضحكات. لكن تلك الأحلام لم تمهلها كثيرًا، فصباح اليوم الثاني تبدل كل شيء.. مشاجرة جديدة اندلعت بين حماتها وجيرانها، كلمات قاسية، وصراخ ولم تتخيل فاتن أن الخلاف سيتحول إلى جريمة؛ ففي لحظة غضب أعمى أحضر جارهم الذي سيدعى صبحي ونجله محمد جركنا من البنزين وسكباه على حماة فاتن وسلفتها، بينما فاتن وقفت تتوسل له بألا يسكب عليها البنزين، وأنها حامل، لكنه في تلك اللحظة خلع قلبه ووضع مكانه قطعة من الحجارة بل أشد قسوة، سكب عليها البنزين وأشعل فيهن النيران.
تدخل الأهالي سريعا ونقلوهن للمستشفى، وهناك داخل غرفة ظلت تعاني فاتن من آثار الحروق، فكان لها النصيب الأكبر من الحرق، تصارع الألم وهي تحمل في داخلها حلما لم يكتمل.
21 يوما من المعاناة، من الدعاء، من انتظار معجزة، لكن رحلت فاتن، رحلت بلا دنب تاركة خلفها صورة سونار محفوظة في هاتف، وقصة اختصرت قسوة لحظة غضب حين تتحول إلى جريمة.
رحلت قبل أن تحمل طفلها بين يديها وقبل أن يفرح والدها برؤية أول أحفاده.. وفي مشهد جنائزي مهيب ودعها أهالي القرية لمثواها الأخير، وسيطر الحزن على الجميع وظلت مطالبهم هي القصاص العادل وإعدام المتهمين الذين قتلوها هي وجنينها بلا ذنب.
بلاغ بالواقعة
تلقت الأجهزة الأمنية بلاغا، بحدوث حريق ووقوع مصابين بقرية المندرة دائرة مركز أجا، على الفور انتقل رجال المباحث لمحل البلاغ وتبين حدوث مشاجرة بين اثنين من الجيران بسبب خلافات الجيرة، فأشعل رجل ونجله النيران بهم، وأسفر الحادث عن إصابة كل من فاتن هيثم، التي توفيت متأثرة بإصابتها بعد 21 يومًا من الواقعة، وإيمان محمد، مصابة بحروق متفرقة، وعائشة عبد الرحمن، مصابة بحروق، وعبد المهيمن مجاهد، أصيب خلال محاولة التدخل وإنقاذ الضحايا.
وتمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على المتهمين وتولت النيابة التحقيقات؛ والتي وجهت لهما تهمة قتل المجني عليها فاتن والشروع في قتل سلفتها وحماتها، كما وجهت لهما تهمة استخدام مادة حارقة والحريق العمد، وتحول المتهمين للجنايات.. وفي انتظار القصاص العادل.




