أخبار مصر

من أين جاءت المسيّرة؟.. قراءة جغرافية تكشف سيناريوهات الهجوم على ميناء دمياط

من أين جاءت المسيّرة؟.. قراءة جغرافية تكشف سيناريوهات الهجوم على ميناء دمياط

لم يكن الحريق الذي اندلع على متن سفينتي التغويز والتخزين في ميناء دمياط مجرد حادث عابر، بل تحول سريعًا إلى حدث إقليمي استقطب اهتمام العالم، خاصة بعد إعلان رئاسة مجلس الوزراء أن التحقيقات الأولية أشارت أن الحريق نتج عن هجوم بطائرة مسيّرة، مع التأكيد في الوقت نفسه أن التحقيقات لا تزال جارية وأنه لم تُوجَّه أي اتهامات رسمية إلى أي دولة أو تنظيم.

وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، فتح الحادث الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن دلالاته الأمنية والسياسية، ومدى ارتباطه بالتصعيد العسكري الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أن الهجوم استهدف منشأة ترتبط مباشرة بأمن الطاقة المصري وحركة الغاز في شرق البحر المتوسط.ميناء دمياط.. موقع يتجاوز الجغرافيا
يقع ميناء دمياط على الساحل الشمالي لمصر في قلب شرق البحر المتوسط، وهو موقع يمنحه أهمية استثنائية بوصفه نقطة التقاء بين طرق الملاحة الدولية وشبكات الطاقة الإقليمية.

ولا تقتصر أهمية الميناء على كونه ميناءً تجاريًا، بل يضم بنية تحتية مرتبطة باستقبال وإعادة تغويز الغاز الطبيعي، وهو ما يجعله جزءًا من منظومة الطاقة التي تعتمد عليها مصر لتلبية احتياجاتها المحلية وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي لتجارة الغاز.

وتشير دراسات أمن الطاقة إلى أن المنشآت المرتبطة بإنتاج الغاز أو استقباله أو معالجته أصبحت خلال السنوات الأخيرة ضمن أكثر الأهداف حساسية في مناطق النزاعات، بعدما أثبتت الحروب الحديثة أن استهداف البنية التحتية للطاقة يمكن أن يحقق تأثيرات اقتصادية وسياسية تتجاوز في بعض الأحيان أثر استهداف المواقع العسكرية التقليدية.

الإطار الجغرافي للحادث
من الناحية الجغرافية، يتمتع ميناء دمياط بموقع يجعله قريبًا نسبيًا من عدة دول في شرق المتوسط، في حين تفصله مسافات أكبر عن دول أخرى في الإقليم.

ويضع هذا الموقع الميناء في بيئة جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية تتعلق بالطاقة والملاحة والأمن البحري.

التقديرات التقريبية للمسافات المباشرة إلى دمياط بحسب منصة تحديد المواقع الجغرافية «google earth» هي:

إسرائيل 250–450 كم

ليبيا (شرق ليبيا) 900–1200 كم

سوريا 550–750 كم

العراق 950–1200 كم

اليمن 1700–2200 كم

إيران 1500–1900 كم

هذه الأرقام تختلف قليلًا بحسب نقطة الإطلاق المفترضة، لكنها تكفي لتقييم الإمكانية العملياتية وطرح السؤال الملح من أين جاءت؟

إسرائيل
من الناحية الفنية تعد المسافة قصيرة جدًا وتقدر بنحو 250–450 كم مقارنة بقدرات معظم المسيّرات العسكرية الحديثة فحسب ما ذكرت مقاله بحثية صادرة عن معهد واشطن لسياسة الشرق الأدنى تمتلك إسرائيل مسيرات استراتيجية قادرة على تنفيذ مهام بعيدة عبر الاتصالات الفضائية، ويُقدر متوسط مدى الطائرات الإستراتيجية بحوالي 1,000 كم أو أكثر بحسب المهمة ونظام التحكم.

لكن التحليل السياسي أكثر تعقيدًا؛ في ظل رغبة نتنياهو الواضحة في توسيع دائرة الصراع عكستها تحركات وإجراءات وتصريحات علنية وقد ذكرت قناة العربية أن الجيش الإسرائيلي نفي استهداف الميناء.

ليبيا وسوري
يقع ميناء دمياط على بعد 700-1200 كم من شرق ليبيا وهذه المسافة تقع ضمن نطاق تستطيع بعض المسيّرات بعيدة المدى قطعه لكن لا يمكن الحديث عن «مدى تمتلكه الدولة» لأن الطائرات الموجودة تختلف باختلاف الجهة المسيطرة والمشغل الأجنبي، لكن معظم الطائرات المستخدمة عملياتياً تقع ضمن فئة 150–300 كم.

أما سوريا فتبعد عن ميناء دمياط نحو 550–750 كم لكن المسار يتطلب عبور أو الاقتراب من أجواء تخضع لمراقبة متعددة، ما يزيد من التعقيد العملياتي.العراق
تقدر المسافة بين ميناء دمياط والأجواء العراقية بنحو 950–1200 كم ما يجعل الوصول ممكن فقط باستخدام مسيّرات بعيدة المدى وحسب دراسة حديثة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية فإن العراق لا يُصنف ضمن الدول المالكة لصناعة أو برنامج وطني متقدم للطائرات المسيرة، بخلاف إيران وإسرائيل وتركيا، وأن تطور القدرات في المنطقة يرتبط أساسًا بالاستيراد أو بدعم خارجي أكثر من التطوير المحلي.

كما أن الاستخدام داخل العراق يرتبط بدرجة كبيرة بالجهات المدعومة بتكنولوجيا إيرانية أكثر من الجيش العراقي نفسه كما أشار مشروع «Missile Threat» المهتم بمراقبة النشاط العسكري وعلى رأسها الطائرات المسيرة الإيرانية في المنطقة، إلى استمرار ارتباط بعض الفصائل العراقية بالطائرات الإيرانية من عائلة «Shahed»، مع ورود تقارير عن رصد نماذج إيرانية داخل العراق.

إيران
المسافة بين إيران وميناء دمياط كبيرة وتقدر بنحو1500–1900 كم، ويستلزم الوصول التحليق لمسافات طويلة جدًا مع الحفاظ على دقة الإصابة كما يتطلب ذلك المرور أو الالتفاف حول مجالات جوية وبحرية مراقبة وتابعة لعدة دول قبل الوصول إلى المينا.وتمتلك إيران برامج واسعة للطائرات المسيّرة بعيدة المدى التي يبلغ متوسط مداها نحو 1200–2000 كم.

لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خرج في تصريحات إعلامية لينفي الاستهداف لمصر وأكد احترام طهران لسيادة القاهرة.

اليمن
تعد المسافة بين ميناء دمياط واليمن (تحديدا مناطق سيطرة الحوثيين) هي أطول مسافة تقريبًا إذ تبلغ نحو 1700–2200 كم.

ورغم أن الحوثيين أعلنوا في مناسبات سابقة تنفيذ هجمات بعيدة المدى، فإن الوصول إلى دمياط يعني عبور مسافة طويلة جدًا فوق البحر الأحمر ثم قناة السويس أو الالتفاف عبر مسارات أخرى، وهو سيناريو أكثر تعقيدًا من الناحية العملياتية لذلك فإن مجرد امتلاك مسيّرة بعيدة المدى لا يعني أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا. ومن جهتها نفن وزارة الخارجية التابعة للحوثيين مسؤوليتها عن الهجوم عبر وكالة سبأ اليمنية.

ماذا أعلنت مصر؟
في الساعات الأولى أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية اندلاع حريق على متن السفينتين، مؤكدة نجاح فرق الطوارئ في السيطرة عليه ومنع امتداده، مع عدم تسجيل خسائر بشرية.

وصباح أمس، أعلن مجلس الوزراء في بيان أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الحريق نتج عن هجوم بطائرة مسيّرة، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن التحقيقات لا تزال مستمرة، ولم تنسب المسؤولية إلى أي طرف، وهو ما يعكس حرص السلطات على عدم استباق نتائج التحقيقات الفنية والأمنية.

كما أكدت الحكومة استمرار الإجراءات الرامية إلى حماية المنشآت الحيوية وتأمين الموانئ والمنشآت المرتبطة بالطاقة.

سياق إقليمي شديد التعقيد
جاء الهجوم في وقت كانت فيه منطقة الشرق الأوسط تشهد تصاعدًا في التوترات العسكرية والسياسية، مع استمرار المواجهات والضربات المتبادلة في أكثر من ساحة إقليمية.

وقد دفعت هذه التطورات العديد من مراكز الدراسات إلى التحذير من أن البنية التحتية للطاقة أصبحت أكثر عرضة للمخاطر في ظل توسع استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى في النزاعات الإقليمية.

فيما يرى باحثون في شؤون الأمن الإقليمي أن اتساع رقعة الصراع يزيد من احتمالات تعرض منشآت الطاقة والموانئ والبنية التحتية المدنية لمخاطر غير مباشرة، حتى في الدول التي لا تُعد طرفًا مباشرًا في النزاعات، وهو ما يفرض تحديات إضافية على منظومات حماية المرافق الحيوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى