تفاصيل المحاكمة التاريخية لصلاح نصر واعوانه والأحكام الصادرة فيه
تفاصيل المحاكمة التاريخية لصلاح تصر واعوانه والأحكام الصادرة فيه

كانت الصدمة القاسية لنكسة 5 يونيو 1967 هي الخيط الذي كشف للرئيس جمال عبد الناصر الحجم الكامل لتوغل وانحراف جهاز المخابرات العامة؛ إذ تبين له أن الجهاز انشغل بصراعات النفوذ والسيطرة الداخلية على حساب دوره الأساسي في رصد العدو الخارجي.
إليك التفاصيل التاريخية لكيفية تكشّف المؤامرة، وقرارات عبد الناصر، وتفاصيل المحاكمة التاريخية والأحكام الصادرة فيها، وارتبط اكتشاف الانحراف بشكل وثيق بـ صراع مراكز القوى ومحاولة الانقلاب التي قادها المشير عبد الحكيم عامر بعد تنحيته عقب النكسة، حين عزل عبد الناصر المشير عبد الحكيم عامر. ورفض الأخير القرار وبدأ يحشد الضباط الموالين له في منزله بالجيزة للتخطيط للاستيلاء على قيادة القوات المسلحة بالقوة وإجبار عبد الناصر على إعادته. وكان صلاح نصر (رئيس المخابرات) حليفاً مخلصاً للمشير عامر، ووضع إمكانيات الجهاز الفنية والأمنية في خدمة المشير لتنفيذ تحركه وضمان السيطرة. وفي أواخر أغسطس 1967، تم إحباط تحرك المشير، واعتقال القيادات العسكرية الموالية له، ووضع عامر تحت الإقامة الجبرية (حتى وفاته بالسم في سبتمبر 1967). حيث العثور على “أشرطة الكنترول” والوثائق الكارثية عند مداهمة مقر المخابرات العامة وتفتيش الخزائن الخاصة بصلاح نصر ومساعديه، عثرت اللجنة التي شكّلها عبد الناصر (بقيادة أمين هويدي ووزير العدل) على آلاف التسجيلات والأفلام والملفات السرية لمراقبة الوزراء والمسؤولين والشخصيات العامة، إلى جانب وثائق تُثبت استخدام الابتزاز الجنسي والمادي ضد فنانين وسيدات مجتمع، واستغلال أموال الجهاز في مشاريع تجارية خاصة، وتدبير عمليات اغتيال وسجن دون علم رئيس الجمهورية.
هذه الاكتشافات صدمت عبد الناصر شخصياً؛ حيث أدرك أن الجهاز الذي أسسه لحماية الأمن القومي تحول إلى إقطاعية أمنية مرعبة تراقبه هو شخصياً وتتحكم في الدولة. وقد أثر الاكتشاف على قرارات عبد الناصر وأحدث هذا الاكتشاف زلزالاً في فكر الزعيم، ودفعه لاتخاذ قرارات حاسمة لـ “تطهير الدولة” وإعادة بنائها. اولها تفكيك “مراكز القوى” حيث قرر إنهاء نفوذ الدولة الموازية التي كان يقودها تحالف المخابرات والجيش. إعادة هيكلة المخابرات بالكامل، عندما عيّن أمين هويدي رئيساً للمخابرات العامة ووزيراً للحربية، وأمره بـ “تطهير الجهاز وتنقيته” من الضباط المنحرفين، وإعادة صياغة عقيدته لتصبح خارجية استخباراتية بحتة. وأصدر بيان 30 مارس 1968 كوثيقة دستورية لإصلاح النظام السياسي، والتشديد على سيادة القانون، وحرية المواطن، ومنع التجاوزات الأمنية. تم اتخاذ القرار الرسمي بإحالة قيادات المخابرات للمحاكمة في أواخر عام 1967 (بعد اكتمال التحقيقات التي باشرها النائب العام ومحققون عسكريون وسياسيون). وبدأت جلسات المحاكمة علناً (وبعضها سرياً لأسباب تتعلق بالأمن القومي) في مطلع عام 1968 أمام محكمة الثورة (التي تشكلت برئاسة حسين الشافعي، وعضوية الفريق أول محمد فوزي، وسليمان مظهر). شملت التهم (التآمر لقلب نظام الحكم، السيطرة والابتزاز الأخلاقي، تبديد الأموال العامة للجهاز، التعذيب الممنهج للمواطنين، والتجسس غير القانوني على مسؤولي الدولة). شهدت المحاكمة إدانة الرؤوس الكبيرة في الجهاز، وجاءت الأحكام الصادرة في عام 1968 كالتالي:
– صلاح نصر رئيس الجهاز حكم عليه بالسجن المؤبد مع الشغل (في قضية المؤامرة وانحراف المخابرات)، وحكم آخر بالسجن 15 سنة في قضية تعذيب الصحفي مصطفى أمين.
– حسن عليش رئيس هيئة الأمن القومي (الرجل الثاني) حكم عليه بالسجن المشدد 15 سنة.
– أحمد فؤاد نيل مدير مكتب صلاح نصر وعقل العمليات الفنية حكم عليه بالسجن المشدد 15 سنة.
– إسماعيل الفيومي رئيس شعبة بالمخابرات (مسؤول ملفات السيطرة) وحكم عليه بالسجن المشدد 15 سنة.
كما صدرت أحكام بالسجن لمدد متفاوتة (تراوحت بين 5 إلى 10 سنوات) ضد ضباط آخرين، وتم عزل وإحالة عشرات الضباط والموظفين في الجهاز إلى التقاعد أو وظائف مدنية كجزء من عملية التطهير الشاملة. وقضى بالفعل صلاح نصر عدة سنوات في السجن، وأصيب خلالها بجلطة ونُقل إلى المستشفى عدة مرات نظراً لتدهور حالته الصحية. في عام 1974، أصدر الرئيس أنور السادات عفواً صحياً عنه وعن عدد من قيادات تلك الحقبة كجزء من تصفية ملفات الماضي. وعاش نصر معزولاً عن الأضواء، وكتب مذكراته لتبرير مواقفه، حتى توفي في أكتوبر 1982. كما ردت المحاكم الاعتبار للعديد من الفنانين والفنانات والشخصيات العامة الذين تم ابتزازهم أو تشويه سمعتهم من قبل الجهاز في تلك الفترة الكابوسية. وهكذا شكلت محاكمات 1968 نهاية “الجمهورية الأولى للمخابرات” (ذات الطابع الأمني الداخلي)، وبداية حقيقية لجهاز مخابرات محترف يركز على الأمن القومي الخارجي، وهو الجهاز الذي نجح لاحقاً وبكفاءة تامة في التخطيط لخداع العدو وتمهيد النصر في حرب أكتوبر 1973.




