
“جواب غرامي” وطابع بوسطة قديم من العهد الملكي، يكونوا هما السبب إن قطعة غالية جداً من خريطة مصر ترجع لحضننا تاني؟!
دي مش قصة من الخيال.. دي حكاية حقيقية وموثقة عن أمير مصري خسر منصبه، وملك فقد عرشه، ومحكمة دولية كانت على وشك إنها تحكم ضدنا وتضيع أرضنا.. لولا إن العناية الإلهية بعتتلنا “بطل منسي” ظهر في اللحظة الأخيرة عشان يقلب موازين التاريخ كلها.
أمير في الظل.. ووزير في مهب الريح
عشان تفهم حجم العظمة والمفاجأة في القصة دي، بطلنا. العقيد “إسماعيل شيرين”.. أمير من أمراء أسرة محمد علي، وابن عم الملك فؤاد الأول.
هل تفتكر الأميرة “فوزية”؟ أخت الملك فاروق وإمبراطورة إيران السابقة اللي كان بيُضرب بيها المثل في الجمال؟ إسماعيل شيرين هو اللي اتجوزها سنة 1949 بعد طلاقها من شاه إيران.
بس التقيل لسه مجاش..
إسماعيل شيرين مكانش مجرد أمير من بتوع القصور والحياة المخملية؛ الراجل ده كان عقلية فذة.. درس الاقتصاد السياسي في جامعة “كامبريدج” العريقة في بريطانيا، واشتغل في البنك الأهلي المصري، وبعدين سكرتير في مجلس الوزراء، لحد ما وصل لوزارة الدفاع كضابط اتصال. وبسبب كفاءته النادرة وذكائه الاستراتيجي، تم اختياره عضو في وفد مباحثات الهدنة بين مصر وإسرائيل في “رودس” بعد حرب 1948.
الذكاء السياسي اللي عنده خلاه يقرا المشهد صح، وكان شايف إن العرش في خطر حقيقي، وحاول يحذر الملك فاروق أكتر من مرة من موقعه كآخر “وزير حربية” في العهد الملكي.. بس للأسف، النصيحة جت متأخرة!
وفي يوم 26 يوليو 1952، اتغير شكل الدولة، والملك مشي.. وإسماعيل شيرين خد زوجته (الأميرة فوزية) وطلعوا على جنيف في سويسرا عشان يبدأوا حياة جديدة كلاجئين في المنفى، بعيد تماماً عن الأضواء والسلطة.
تفتكروا إن دي نهاية الحكاية واسمه اتمسح من كتب التاريخ؟
الحقيقة إن العكس هو اللي حصل.. واللي جرى بعد سنين طويلة في نفس المدينة (جنيف) كان معجزة بكل المقاييس!
معركة طابا الدولية.. واللحظة الحاسمة
تعالى ونروح لـ فترة الثمانينيات.. مصر وإسرائيل في معركة تحكيم دولية طاحنة على أرض “طابا”، ومقر المحكمة هو “جنيف”.
إسرائيل بتلعب بكل كروتها، بتماطل، وبترفض الانسحاب بحجج واهية. وفي المقابل، الوفد المصري العظيم (اللي كان بيضم قامات قانونية وتاريخية ضخمة) بيقدم خرايط ووثائق تثبت حقنا.. بس المحكمة الدولية فتحت باب الشهود وكانت محتاجة “الضربة القاضية”.. دليل مادي على الأرض يثبت ممارسة مصر لسيادتها الفعلية على طابا بشكل لا يقبل الشك.
وفجأة.. ومن غير ما حد يطلب منه، ومن غير ما حد أصلاً يفتكر إنه لسه عايش.. ظهر راجل عجوز، خطواته هادية بس مليانة هيبة، ووقف قدام فريق التحكيم المصري في جنيف عارضاً الإدلاء بشهادته.
الراجل ده قالهم جملة واحدة: “أنا عندي الدليل اللي هيقفل القضية دي لصالح مصر. الراجل ده كان إسماعيل شيرين.
الدليل الذي أسكت إسرائيل: طوابع البريد والطرابيش.
إسماعيل شيرين وقف قدام منصة المحكمة الدولية، وقال معلومة خلت القاعة كلها تضرب غطس في الصمت:
“أنا كنت قائد الكتيبة المصرية في طابا قبل سنة 1952.
طبعاً في المحاكم الدولية، الذكريات والكلام الشفوي ملوش وزن كبير.. هما محتاجين ورق، مستندات، وحقائق
وهنا..
كشف إسماعيل شيرين عن كنزه اللي احتفظ بيه سنين طويلة:
الخطابات الغرامية والشخصية: قدم للمحكمة جوابات أصلية كان بيبعتها لزوجته (الأميرة فوزية) وأسرته من داخل معسكره في طابا.
ختم البوسطة المصرية (الضربة القاضية): الأهم من الجوابات نفسها، كانت “الردود” اللي بتوصله في طابا وعليها أختام مصلحة البريد المصرية والطوابع الرسمية. وده في العُرف والقانون الدولي بيعتبر أقوى إثبات لـ “الإدارة والسيادة الفعلية للدولة” على الأرض (بمعنى إن مصر كان ليها مؤسسات وبوسطة شغالة هناك).
الصور والطرابيش: وزي ما أكد د. مفيد شهاب (عضو هيئة الدفاع عن طابا)، إسماعيل شيرين مكنش جاي بإيده فاضية؛ ده قدم ألبوم صور نادرة للجنود المصريين بالزي الرسمي و”الطرابيش” الميري وهما متمركزين في قلب طابا.
شهادته والوثايق اللي قدمها كانت بمثابة “زلزال قانوني” نسف كل ادعاءات إسرائيل، وزادت من اقتناع المحكمة الدولية، وحسمت أحقية مصر في طابا بلا رجعة!
البطل المنسي.. والدرس العظيم في الانتماء.
هل الراجل ده، اللي أنقذ حتة من تراب بلدنا، كان مستني منصب؟ أو فلوس؟ أو حتى تكريم؟
الحقيقة الصادمة إن إسماعيل شيرين عمل ده بدافع شخصي، ديني، ووطني خالص. كان ممكن جداً يقول “وأنا مالي.. دول عزلوني ومشيوني من البلد”، كان ممكن يصفي حسابات سياسية..
لكن، الدم المصري الأصيل مبيعرفش لغة الحسابات لما الموضوع يخص “العِرض والأرض”. الوطن بالنسبة للمصري الحقيقي مش مجرد كرسي أو منصب، الوطن ده عقيدة.
ورغم إن المحكمة حكمت بمصرية طابا ورفعنا العلم، نادراً ما حد ذكر اسم إسماعيل شيرين بكلمة شكر في وقتها، وتوفى البطل العظيم ده في صمت يوم 14 يونيو 1994، واندفن في القاهرة بناءً على وصيته.




